تقرير حول رواية : فتاة القطار

ما إن طويت آخر صفحة منها ، حتى اجتاحتني رغبة عارمة في اعادتها من أول صفحة لها ..
حاولت لبرهة ترتيب الاحداث في رأسي ، كل تلك الشخصيات ، لكن الرغبة في اعادتها كانت لا تزال قوية جدا ..
لم أشعر باندماجي مع عمل أدبي كما شعرت به مع رواية " فتاة القطار " ..
ما القيمة التي تستنتجها من هرولة مسرعة ، بل جري حتى اللهاث وراء 392 صفحة ، إنها قيمة تجعل كل ذلك يستحق .. بل أشعر أنني أتحرر من شيء ما انقض عليّ و أبى تركي طيلت ثلاثة أيام مستمرة في قراءة هاته الرواية ، و لسبب ما كنت جدا مستمتعة به ، و على الرغم من انني كنت اريد ان اعرف من فعلها ، من هو القاتل ، إلا أنني أيضا أردتها ألا تنتهي أبدا ..
ذلك الصدق الذي دوّنت به الرواية ، و الأصوات التي كانت تتجاذب بينها سرد الأحداث ، كانت صادقة في منحنا الكثير من الحقائق ، التي ما ان نقلب بضع صفحات حتى نجد أن هناك حقائق أخرى تماما .. أتدري لماذا ؟ لأن لكل نظرته لهذه الحياة ، و على الرغم من ان الحادثة هي نفسها ، إلا أنه لكل وجهة نظره فيها ، أما الحقيقة فهي شيئ آخر تماما ..

3 شخصيات تداولت سرد الأحداث .. ريتشل ، ميغان ، آنّا .
ريتشل ، أوه العزيزة ريتشل ، مدمنة الكحوليات ، و هي أيضا اكثر شخصية محطمة بين 3 شخصيات التي تسرد لنا الأحداث ، مطلقة ، لا تمتلك عمل لأنها طردت من علمها مؤخرا بسبب سكرها الدائم ..
ريتشل هي فتاة القطار ، هي محبة القطار و عاشقة مناظر البيوت من على القطار ، حيث كانت ريتشل تستقل القطار صباحا متجهة نحو لندن لتعود مساء ، فقط لتوهم شريكة سكنها كاثي ، أنها لا تزال تزاول عملها بشكل طبيعي فلا تقلق ان كانت ستتأخر على الايجار أو تهددها بإخلائها البيت ..
كل يوم تفعل ريتشل الشيء نفسه ، تستقل القطار على ساعة محددة ، ترى ذات البيوت و تتابع حركة السير ، تشرب و تشرب ، و تستمر في الشرب على طول النهار ، فتعود الي البيت مهلكة غائبة تماما عن الوعي ..
جس ، و جيسون الزوجان المحبوبان ، الذين يقطنان بيت لا يفصله الى بضعة بيوت عن البيت الذي كانت ريتشل تعيش فيه قبل طلاقها ، كانا الثنائي الرائع التي كانت ريتشل تتابعهما بشغف كل يوم ، جس المرأة المثالية ، المحبة لزوجها ، الانيقة الرائعة ، أما جيسون ، فهو مثال عن الزوج المثالي ، المحب و العطوف .. إنهما تماما ما كنت تحلم به ريتشل مع توم ( زوجها السابق ) الذي خانها لمدة طويلة ، حتى يقرر بعدها الطلاق منها ليتزوج عشيقته ، ويترك ريتشل تصارع حطامها بنفسها .
لكن هل كل ما نراه حقيقة ، و هل ما نفسر به الأشياء من نظرتنا الخاصة هو كل شيء ، ذلك ما تخبرنا به ريتشل بعدما ترى ما يحطم فؤادها و كأنه شيء يخصّها ، عندما ترى جسّ تعبث بحياتها و ترمي بكل تلك المثالية خلفها و تفعل ما ليس في الحسبان .. تشعر حينها ريتشل ان ما فعلته جسّ أمر غير مقبول ، و كأنها تعبث بالصورة التي صنعتها ريتشل للثنائي المثالي ، لأنها في قرارة نفسها كانت تعلق آمالا على أنه هناك ما يسمى بعلاقة زوجية مثالية ، لكن بفعلة جسّ ، تخسر ريتشل ذلك الاعتقاد ..
أيام قليلة ، و يعلن عن اختفاء امرأة ، إنها امرأة تسكن احدى تلك المباني التي كانت ريتشل تمرّ عليها كل يوم ، إنها ميغان هيبويل ، إنها ذاتها جسّ .
تتعرف حينها ريتشل على جسّ الحقيقة ، فاسمي " جسّ و جيسون " فقط مجرد أسماء كانت قد اطلقتها على ميغان و زوجها سكوت  في مخيلتها الخصبة ..
تأتي الشرطة في المساء ، تحقق مع ريتشل ، لكن ما دخل ريتشل باختفاء جسّ او ميغان ..؟
ريتشل المسكينة ، سكرها يجلب لها دائما المتاعب ، فهو لم يتوقف فقط على خسرانها زواجها ، و جعلها تعيش وهي تزدري نفسها و كل حياتها  بل جعلها ترتبط كليا بإختفاء امرأة كانت قد عشقت كل تفاصيل حياتها طيلة فترة مزاولتها لعملها و تنقلها بالقطار ، و هي ذات المرأة التي فعلت فعلة اشمأزت منها ريتشل حتى تملكها الرعاش كليا ..
لقط شوهدت ريتشل مترنحة قرب بيت ميغان هيبويل ، تزامنا مع موعد اختفاءها .. لكن هل تتذكر ريتشل ما رأته هناك ، هل تعرف تماما ما حدث و ما جرى .. لكن هذه هي ريتشل ، انها شخص تملأ الفوضى حياتها ، تفعل أشياء و في اليوم التالي لا تتذكر شيئا .. لكن حادثة اختفاء ميغان ، ليس مجرد فعل سخيف او مخجل قامت به ريتشل ، تستطيع فقط التغاضي عنه ، أو الاعتذار عنه إن صورحت به ، انه أمر بالغ الأهمية ، هناك اشخاص ستضع حياتهم على المحك ، ستلاحق الشرطة الكثيرين اثر التحقيق ، ستمتلأ حياتهم بأخبار كثيرة بعضها حقيقة بعضها الآخر كذب عن المرأة التي اختفت ، باختصار سيعيشون دوامة قد يكون لها بداية لكن ربما لا نهاية لها أبدا ..
أما الشخصية الثانية ، فهي آنا ، آنّا زوجة توم ، إنها المرأة التي طردت بسببها ريتشل من بيتها ، انها سبب رئيسي في حدوث الكثير من الأشياء لــريتشل ، آنا دائمة الاعتقاد انها المرأة المثالية ، المرغوبة من طرف كل الرجال ، حتى أولائك المتزوجين ، فهي استطاعت اغراء توم ، عندما كان لا يزال متزوجا بريتشل ، و تشعر دائما بالفخر لذلك ، معتقدة أن توم رجل يحبها حدّ النخاع .. متناسية أنه فضلها هي ، حينما كانت مجرد عشيقة له على حساب زوجته ، أقام معها علاقة لمدة طويلة ، كان حينها يستمر في الكذب على زوجته كل يوم .. هكذا كان اعتقادها في الحب ، لكن ألم تعتقد يوما انها ستأتي آنّا أخرى لحياته ، و لربما سيتكرر السيناريو ، سيحصل على عشيقة مرة أخرى و ستترك هي مع جملة من الأكاذيب ، ليرمي بيها حطاما بعد ان يستهلكها كليا .. فهي امرأة لها احتياجاتها ، و من المؤكد انها لم تكن متاحة لامتاعه في الكثير من المرات خاصة بعد انجابها لطفلتهما " آيفي " ..
آنا تبرع دائما في تبرير مواقفها ، تخبر نفسها دائما ، ان  ريتشل كانت مجرد امرأة غبية ، غير جميلة و سمينة ، و زيادة عن ذلك كانت لديها مشاكل مع الشرب ، كيف يمكن لأي رجل أن يحب امرأة بهكذا مواصفات ، تكرر على نفسها ذات الحكاية و تبرر فعلتها مع توم ، أن ريتشل تستحق ما حدث لها .. فهي لم توفر لتوم ما أراد  ، لم تكن زوجة مثالية كما هي الآن ..
تستمر ريتشل في الظهور في حياة توم ، خاصة عند سكرها ، و تستمر في الاتصال به ، حتى تجد آنا دافعا لكرهها تماما متمنية لها الموت .. لكن ماذا يمكن لآنا أن تفعل ، خاصة و أن توم يحاول دائما تهدئتها باخبارها أنه سيجد حلا مع ريتشل التي لا تزال متعلقة به ، فهي لا تمتلك غيره في حياتها ..
ميغان ، لم تكن جسّ هي ميغان على الاطلاق ، فما ان نبدأ في تقليب الصفحات و القراءة عن حياة ميغان نعرف تماما ان ميغان شخصية لا تقترب بالمثالية ولو بإنش واحد ، إنها امرأة غارقة في فوضى ضخمة تختلقها هي لكثرة علاقاتها في محاولة إغراء أي رجل تنصب عينها نحوه ، هل كانت ميغان تكره سكوت ، لا ليس الامر كذلك ، سكوت و على الرغم من بساطته ، إلا انه كان رجلا افضل منها بكثير حافظ على زواجه من الاتلاف و لم يفعل ما يفسده قط ..
فقط هي تفعل ما تفعل لأنها شخصية مريضة ، هي فقط تفعل ذلك بسبب نزواتها الشخصية ، متناسية ان ذلك قد يجرح أحبائها أكثر منها بكثير .. و بسبب علاقاتها المتعددة تسقط في دهليز مخيف ، و لا يتم انقاذها منه أبدا .. ذلك لأنها تكتشف جثتها بعد أيام من اختفاءها في غابة قريبة من بيتها .. فتتحول القضية من اختفاء ، إلا قضية قتل ..
نتعلم الكثير من هذه الرواية ، أكثرها ان لا نبرر اخطائنا بأخطاء الآخرين و نحملهم مسؤولية أخطائنا ، فذلك ما كانت تفعله كل شخصيات الرواية تقريبا ، تفعل فعلتها و تبررها لنفسها .. ثم تواصل العيش .. حتى تستيقظ في يوم ما كل تلك الأكاذيب و تسحقهم تماما ..
لكل حكاية ، جوانب عديدة ، و مهما كنت ملما بكل الجوانب ، فالشخص صاحب الفعل او التصرف ، له فكرة أخرى تماما و عاشها بأسلوب مختلف عنك انت الذي تسمع فقط حكايته .. فلا تصدر أحكاما تفصل فيها من الظالم و من المظلوم ..
تتصادم الشخصيات فيما بينها ، و تتدال فيما بينها السرد ، حيث تسرد لنا كلا من ريتشل و آنا الوقت الحالي و تاريخ ما يفعلونه مدون في سنة 2013 ، بينما تسرد لنا ميغان حياتها قبل الاختفاء أي قبل أشهر من ذلك و تدون لنا في سنة 2012 ..
و على الرغم من تداول السرد من 3 شخصيات ، لكل منها وجهة نظرها في ذات الموضوع ، إلا اننا أبدا لن نشعر بالتكرار ، و هنا حقيقة ظهر دهاء الكاتبة بولا هوبكينز ، لقد عرفت تماما كيف تدير الحكاية بين 3 أفواه مختلفة ، و أن توصل لنا المعنى بشكل مثالي ..
كل سطر في الرواية له معناه الخاص ، له تؤوليه ، إنه تماما في مكانه و لا يمكن لعينك أن تزيغ ، لأنك ستلهث راجعا إليه ..
لطالما كنت أكره الحشو في الرواية ، و تكاد لا تخلو رواية واحدة من الحشو ، حيث يتلكلك الكاتب فيه ، فيأخذ في الاسهاب بنقل تفاصيل لا معنى لها ، كلبس كل شخصية ، و ولون ذلك اللبس ، أنواع الأشجار و تموضعها ، و ألوان الازهار في الطريق .. اشعر بالغثيان كلما مررت بهكذا سطور ، لكن بولا لبت رغبتي تماما ، تجاوزت هاته الاوصاف المضجرة و البائسة ، فقط كانت تلمح لبعض الأمور التي كانت لها أهمية في الرواية ، عدا ذلك هي لم تضجرني مطلقا ، فقط هو أمر واحد مازال لم يستقر في دماغي ، لماذا أسرعت في انهاء الرواية ، على الرغم من ان الرواية ليست من النوع القصير فهي تحوي على 392 صفحة ، لكنني شعرت بذلك عندما بدأت الاحداث تسير نحو مجرى النهاية ، شعرت أن بولا تسرع في اكمالها ، اقنع نفسي بقول أن لا يمكنها ان تفعل شيئا آخر ، عليها انهاء الرواية .. لكن لا ادري مازلت مصدومة من تلك السرعة ..
كل الرواية مكتوبة في الحاضر ، لا وجود لأفعال الماضي الا نادرا عندما تتذكر احدى الشخصيات ما فعلت سابقا ، و الحقيقة ان هذا امر لم اعتده كثيرا في الروايات و التي تكتب في الماضي في معظم الأحيان .. ما جعل الحكاية تحبس انفاسك تماما ، فأنت تقرأ تما ما يجول في خاطر تلك الشخصيات الآن ، ليس ما اعتقدوه ، بل يما فعلونه الآن ..
لغة و أسلوب الرواية ، مدرسة في حدّ ذاتها ، مفيدة لأولئك الذين يتعلمون الكتابة ..
و أخص في ذلك أيضا المترجم الحارث النبهان الذي أبهرني تماما بترجمته الاحترافية حتى اعتقدت لوهلة ان العمل مكتوب بالعربية بشكل أصلي ..
حركة الترجمة في السنوات الأخيرة صارت أفضل بكثير .. و صار لدينا مترجمين ربما قد تفوقوا على الكتاب انفسهم فقد نقلوا بعض الكتب بشكل أكثر روعة مما هو عليه ..
الرواية جميلة ، و تستحق القراءة ..
علمت مؤخرا ، انه قد تم تصويرها فيلم من انتاج هوليوود ، و على الرغم من انه قد اثار موجة اساءت من الجمهور البريطاني الذي أراد ان يكون التصوير في بريطانيا بمشاركة ممثلين بريطانيين ، إلا انه اعتقادات نجاحه كبيرة بحجم " الفتاة المفقودة سنة 2014 " و ربما أكثر ..
هل سيكون الفيلم اجمل من الرواية ، حقيقة لا ادري ، ما حدث لي في فيلم "فتاة مفقودة " و التي لم اقرأ روايتها ، هو الذعر الكامل من أفعال تلك المرأة ، لم افعل قط مع أي فيلم ما فعلته مع هذا الفيلم ، فقد قمت بحذفه تماما بعد انهاءه من موجة الذعر الذي اصابتني و نهايته المرعبة حقا .. هو ليس فيلما مصنف ضمن أفلام الرعب ، و لكنه مثير و مشوق حدّ الذعر .. ترى هل الرواية بنفس الكيفية .. لا أدري حقيقة ..

اعلم فقط ان الرواية اعجبتني .. و سأنتظر صدور الفيلم و سأشاهده و سأعرف بعدها ..  
اتمنى انني لم أحرق عليكم الاحداث ، لقد كنت اتصارع و انا اكتب هاته الكلمات حتى لا افسد عليكم المتعة حين قراءتها ..
و اتمنى ان يكون هذا التقرير قد نال اعجابكم ..

تعليقات

اقرأ أيضا

حين يمتزج الطب بالفن | لقاء مع مبدع الرسم التشريحي الطبي أشرف الرفاعي

#النشرة الاسبوعية 8: ما هي السعادة | مدخلك لتعلم برمجة وتطوير المواقع هنا

الحزن القاتل الصامت| متلازمة القلب المكسور