البيئة المناسبة لإطلاق العنان للفكر الابداعي


قد يفكر البعض أن الابداع وليد الفطرة و هو سمة وراثية أو شيء من هذا القبيل ، و يستحيل على البعض فهم فكرة أن الابداع هو شيء يطور و يكتسب من البيئة و المحيط الخارجي ، ولكنه كذلك حقا .. قد تكون بذوره في ذات روح الشخص و لكن صفة الابداع بمعناها الكبير هو اكتساب خبرات و تطوير مهارات .
و إن أردنا الخوض في نقاش تطوير الابداع سنجد الكثير من الأمور الخلاقة التي تولده ، و ما سنركز عنه في تدوينتنا هذه هو بيئة العمل المناسبة التي تخلق جو إبداعي مناسب للموظفين داخل مكان العمل.

1-      الشعور بروح الإبداع
Office Interior Design Stenham Wall Art


ان الانسان هو المادة الخام لإنتاج الجديد فالعقل وحده من ينتج الافكار الجديدة ، و الاهتمام بالموظف كإنسان و مراعات إنسانيته و ضغوطاته و محاولته تقليصها يجعل من إنتاجه يتضاعف و يتزايد مع مدى راحته في مكان العمل .
 إن ما يجعل منتجات شركة معينة تتصدر القائمة الطويلة هو مدى إبداعها في منتجاتها ، محتوى و مضمونا – وهذا ما نراه مثلا في منتجات شركة ابل – و عليه فإن نشر روح الابداع في وسط العمل هو عامل مهم للتركيز على إنتاج أفكار مبدعة ، و هو ترغيب الموظفين و أفراد الفريق في التفكير خارج الصندوق ، ويكون هذا في كل شيء حولهم ، ،و يؤخذ بعين الاعتبار الأثاث و الديكور ،الاضاءة الجيدة ، الالوان التي تطلى بها جدران المبنى ، الاطلالات الجميلة ، فكل هته الامور الجميلة و المبدعة حولهم تجعلهم يفكرون خارج الصندوق و يحيكون أفكار جديدة خارجة عن المألوف كما الاشياء التي يرونها حولهم في كل مكان في حيز مبنى الشركة . كما أن هته العوامل تؤدي إلى تحسين الحالة النفسية للموظف  ،لأن رب العمل هنا قد اهتم براحة موظفيه بدرجة أولى وراعى الجانب النفسي لهم ،وهذا بحد ذاته يلقي مسؤولية عليهم ويجعلهم يستشعرون مدى أهمية الانتاج و الابداع ، فكما اعطت لهم الشركة من وسائل مبدعة هم أيضا سيفكرون بالمثل و هذا يخلق شعور الولاء .
فإن الاهتمام ببيئة العمل تجعل من الموظف لا يشعر بتلك الراحة إلا في مكتبه و في مكان عمله ، وهذا يخلق جو الالتزام بالمواعيد ..
ولكن ما يسقط في شباكه بعض أرباب العمل القول أن المكان غير مهم ، بل المهم في العمل بحد ذاته ، وهذا خطأ فادح يقع فيه الكثيرون ومنهم معظم شركاتنا العربية ، فإن هذا يجعل من العمل متعب ، ممل ، مكان عمل كئيب ، و بهذا يكون هناك تشنج في علاقات الموظفين ، فهنا يستحيل الحصول على الافكار الابداعية، لأن نفسية الموظفين لا تترك لهم مجال للتفكير الخلاق و المبدع ، بل ينصب الاهتمام حول المصروف الذي يأخذه العميل ، و وقت مغادرة العمل متمنيا ان تحصل معجزة لا يضطر للعودة في الغد ..

2-      الترحيب بالأفكار الجديدة
من أكثر الامور التي تعجب و يرتاح لها أي شخص ، هو عندما يجد من حوله يستمعون لأفكاره حتى ولو كانت صغيرة و بسيطة ، فتوفير الجو الأخوي و الانسجام بين فريق العمل و الموظفين يجعل من الأفكار تجد مكانها في الاجتماعات و النقاشات بين الفريق ، فزرع فكرة الترحيب بأي فكرة جديدة يجعل من الجميع يحاول الضغط على زر تحديث كل مرة ، كما تجعل من الموظفين و افراد الفريق مستمعين جيدين لبعضهم و ناقدين بنائين للأفكار المطروحة ..
من أكثر الجلسات التي تخلق الابداع هي جلسات العصف الذهني حول مشروع ما ، ففريق العمل هنا مسؤولون على الإيتاء بفكرة جديدة و خلاقة لم يسبق لها مثيل ، هنا ستجد كل أفراد الفريق يرحبون بأي فكرة مهما كانت صغيرة او غير مكتملة ، فهي قد تأدي إلى الفكرة المنشودة .
و مع هذا فقد نجد بعض الموظفين الخجولين ، والذين لا تطاوعهم أنفسهم بكشف أي فكرة ظنا منهم أنها ربما تكون فكرة غبية أو غريبة ، هنا يأتي دور صندوق الأفكار ، وهو صندوق صغير يعلق في مكان غير مكشوف لباقي الموظفين ، فيه يمكن لكل موظف ان يكتب ورقة يدون فيها فكرته و يضعها هناك  بدون كشف للهوية الحقيقة .. و ربما بعد نجاح بعض الافكار من هؤلاء الاشخاص ، تجدهم يقدمون على طرح أفكارهم في الاجتماعات ..

3-      الحرية
عندما نقول شركة او مكان عمل ، سيخيل لنا دائما مجموعة من المكاتب المتراصة وضجة الموظفين و زحمة سير في أروقة المبنى ، لأننا هكذا عهدنا أماكن العمل التي رأتها أعيننا ، لكن كل هذا يخلق جو يوتر الموظف بل يزعج البعض منهم من لا يتمحلون تلك الالبسة الرسمية التي تفرض عليهم ، و تلك المكاتب المتراصة فقد يزعجك جيرانك الجالسين على الجانبين لمكتبك بتصرفات معينة ، وهذا يؤدي لتشنج علاقات الموظفين وبالتالي فقد راحة الموظف داخل مكان العمل.


إن الحرية المطلقة ، تشعرنا دائما بالارتياح ، وهذا ما يجب أن يكون في أماكن العمل ، بل هي أكثر الاماكن التي يجب ان يتحرر فيها الموظف لينتج و يبدع ، فعدم فرض لباس محدد للموظفين يجعلهم يشعرون بذلك ، عدم فرض أماكن محددة للعمل هذا يشرعهم بذلك ، فقد توفر لهم داخل مبنى الشركة أماكن مفتوحة كحدائق مثلا ، او بعض الاثاث المريح الذي نجده في المنازل ، هذا قد يشعرهم بالراحة فالجلوس طول اليوم على كرسي امام حاسوب متعب و مرهق ، فتغيير الوضعية من المكتب ، إلى أريكة مثلا  ... كل هذا يشعر الموظف أنه غير مقيد بمكان محدد فهنا نحن نحتاج للأفكار الابداعية و العمل المتقن و ليس المظاهر الأنيقة و التعامل بالرسميات  ..
4-      إلعب إمرح و أبدع في مكان العمل
من الامور المضحكة التي تداول أن شركة جوجل وجدت مشكلة في وقت مغادرة موظفيها فهم يبقون داخل مكان العمل أكثر من اللازم . لماذا ؟ ليس لأن جوجل شركة عالمية ،و هم يشعرون بالامتنان لذلك بل لأن شركة جوجل من الشركات التي توفر كل ما يتطلبه الانسان العادي في حياته ، فكلنا نحتاج لأن نأكل ، نمرح ، نقرأ ، و نتناقش ..


فتوفير مطاعم في مبنى الشركة يجعل من الموظفين أكثر ارتياحا ، فهم لا يحتاجون المغادرة في كل ساعة غداء و يحاولون الوصول إلى المنزل او مطعم قريب ثم العودة بسرعة إلى مكان العمل ، فهذا مرهق . فتوفير مطعم في نفس مبنى الشركة يوفر الوقت و الجهد و يكسب احتراما للشركة من طرق موظفيها ..


قد يحتاج بعض العملاء لأن يرتاح من عناء العمل وذلك بتصفح كتب يهتم بها ، فتوفير مكتبة تحتوي على كتب متنوعة تجعل من الموظفين يستغلون اوقات فراغهم في تثقيف أنفسهم ، بل أنك ستجد بعض الموظفين يبحثون عن بعض الكتب التي تساعدهم في تأدية مشروع معين فتجدهم يخسرون من الوقت الكثير في البحث و جهدا كبير في توفيره كما لا ننسى الخسارة المالية ..


كما أن أماكن التسلية لا تقل أهمية عما ذكر ، فإن الجميع يحتاج للراحة و الابتعاد عن مكتبه ان هو شعر بالملل او الضغط فتوفير ذلك في مبنى الشركة يخلق جو أخوي إنسجامي بين الموظفين و يساعد على الراحة النفسية للموظفين .
حضانة أطفال : هي من الاماكن الجميلة التي تروق لي إن سمعت بأنها توجد في مكان عمل معين أو في محل معين ، فتوفير مكان كحضانة الاطفال تجعل من الموظفات و الموظفين يرتاحون خلال تواجدهم في مكان العمل ، فهم مطمئنون على أطفالهم إن حصل ظرف عائلي معين وليس هناك مكان يبقى فيه الاطفال او ان الام موظفة في هته الشركة  ، فالشركة هنا تأخذ التزاما بعناية هؤلاء الاطفال ..هذا ما يرسخ فكرة اهتمام الشركة بالموظف كشخص و ليس كآلة ، بهته الامور و التفاصيل تجعل من الموظف يستشعر أهمية وجوده في مكان كهذا و تلقي على مسؤوليته أهمية الانتاج و الاتقان ..  ومن يدري ربما هؤلاء الاطفال سيعجبهم مكان العمل و سيحاولون جاهدين عندما يكبرون ان يدخلوه بصفتهم موظفين رسميين و ليس زوارا عاديين .. [ نوع من انواع التجنيد ..]
إن التفاصيل الدقيقة هي ما تجعل الصورة تظهر إحترافية ، وهكذا هي أماكن العمل ، التفاصيل الدقيقة التي تخلق جو مريح و مناسب للموظفين تجعل الانتاج يتزايد و الابداع يتواصل ..
اتمنى في الحقيقة ان تهتم الشركات العربية بهذه التفاصيل الدقيقة ، كما أتمنى حقيقة أن أمتلك شركة تحتوي على ما خطر في بالي و دونته في هذه التدوينة ..


تعليقات

اقرأ أيضا

حين يمتزج الطب بالفن | لقاء مع مبدع الرسم التشريحي الطبي أشرف الرفاعي

#النشرة الاسبوعية 8: ما هي السعادة | مدخلك لتعلم برمجة وتطوير المواقع هنا

الحزن القاتل الصامت| متلازمة القلب المكسور